الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
294
تفسير روح البيان
بالمقابلة والرؤية وبعضها لا يحتاج إلى المقابلة بل يتوجه الروح اليه ونحوه . ومن هذا القبيل شر الحسود المستعاذ منه حتى قال بعضهم ان بعض العائنين لا يتوقف عينهم على الرؤية بل ربما يكون أعمى فيوصف له الشيء فتؤثر نفسه فيه بالوصف من غير رؤية قال القزويني ويختص بعض النفوس من الفطرة بأمر غريب لا يوجب مثله لغيرها كما ذكر ان في الهند قوما إذا اهتموا بشئ اعتزلوا عن الناس وصرفوا همتهم إلى ذلك الشيء فيقع على وفق اهتمامهم . ومن هذا القبيل ما ذكر ان السلطان محمود غزا بلاد الهند وكانت فيها مدينة كلما قصدها مرض فسأل عن ذلك فقيل له ان عندهم جمعا من الهند إذا صرفوا همتهم إلى ذلك يقع المرض على وفق ما اهتموا فأشار اليه بعض أصحابه بدق الطبول ونفخ البوقات الكثيرة لتشويش همتهم ففعل ذلك فزال المرض واستخلصوا المدينة فهذا تأثير الهمة . واما تأثير المحبة فقد حكى ان بعض الناس كان يهوى شابا يلقب ببدر الدين فاتفق انه توفى ليلة البدر فلما اقبل الليل وتكمل البدر لم يتمالك محبه رؤيته من شدة الحزن وانشد يخاطب البدر شقيقك غيب في لحده * وتطلع يا بدر من بعده فهلا خسفت وكان الخسوف * لباس الحداد على فقده فخسف القمر من ساعته فانظر إلى صدق هذه المحبة وتأثيرها في القمر وصدق من قال إن المحبة مغناطيس القلوب وتأثير الأرواح في الأجسام امر مشاهد محسوس فالتأثير للأرواح ولشدة ارتباطها بالعين نسبت إليها قال بعض الحكماء ودليل ذلك ان ذوات السموم إذا قلت بعد لسعها خف اثر لسعها لان الجسد تكيف بكيفية السم وصار قابلا للانحراف فما دامت حبة فان نفسها تمده بامتزاج الهواء بنفسها وانتشاق الملسوع به وهذا مشاهد ولا أقول إن خاصية قتلها من حصرة فيها فقط بل هي احدى فوائدها المنقولة عنها وأصل ذلك كله من إعجاب العائن بالشيء فيتبعه كيفية نفسه الخبيثة فيستعين على تنفيذ سميتها بعينه وقد يعين الرجل نفسه بغير إرادة منه وهذا أردى ما يكون وينبغي ان يعلم أن ذلك لا يختص بالانس بل قد يكون في الجن أيضا وقيل عيونهم انفذ من أسنة الرماح وعن أم سلمة رضى اللّه عنها ان النبي عليه السلام رأى في بيتها جارية وفي وجهها صفرة فقال استرقوا لها فان بها النظرة وأراد بها العين أصابتها من الجن قال الفقهاء من عرف بذلك حبسه الامام واجرى له النفقة إلى الموت فلما كان أصل ذلك استحسانه قال عثمان رضى اللّه عنه لما رأى صبيا مليحا دسموا نونته لئلا تصيبه العين اى سودوا نقرة ذقنه قالوا ومن هذا القبيل نصب عظام الرؤوس في المزارع والكرو ووجهه ان النظر الشؤم يقع عليه أو لا فتنكسر سورته فلا يظهر اثره وقد جعل اللّه لكل داء دواء ولكل شئ ضدا فالدعوات والأنفاس الطيبة تقابل الأثر الذي حصل من النفوس الخبيثة والحواس الفاسدة فتزيله - وروى - عن عبادة بن الصامت رضى اللّه عنه قال دخلت على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في أول النهار فرأيته شديد الوجع ثم عدت اليه آخر النهار فرأيته معافى فقال ( ان جبريل عليه السلام أتاني فرقانى وقالبسم اللّه أرقيك من كل شئ يؤذيك ومن كل عين وحاسد اللّه يشفيك قال عليه السلام فأفقت ) وفيه وفيما ذكر